
"انبثق الدم حول أرسغنا. أبت يدي اليمنى أن تنقاد للخلف، فقيدوها بالقوة. سمعت طقطقة عظامي فاقشعر بدني. شحنونا فى العربات. مررنا بغزة. منعونا من النظر إليها. أطلقوا علينا النار في العربة فسقط عدد من القتلى والجرحى. رغم ذلك نظرنا إلى غزة. لا أثر لإنسان في شارعها الرئيسي"
أعترف أن العلامة الحمراء المعنونة "نصوص مميزة" والتي تضعها دار الشروق على بعض الكتب التي تعيد طبعها، استحوذت على اهتمامي وثقتي.. والحقيقة أن اختيارهم لرواية فؤاد حجازي "الأسرى يقيمون المتاريس" كنص مميز، هو اختيار في محله تماما. فعلى المستوى الأدبي، هذه رواية جميلة..
"كان الغموض يضطرب بنا في متاهاته. وآلاف الأوهام والاحتمالات تعصف بنا. استبد بنا الظمأ فاحتبست أصواتنا وعجزنا عن الكلام. تحسسنا بألسنتنا جدران العربة وقد تجمعت عليها قطرات دقيقة من الماء نتجت عن أنفاسنا. كان السعيد من يجاور شنبراً او مسماراً. يجد عليه قطرات دقيقة من الماء أكثر. بدأت أظافرنا تعمل في شقوق الخشب بحثاُ عن متنفس لهواء نقي..."
هي رواية مهلكة أيضاً.. دائما ما أقول لمن أنصحه بقراءتها، أن "يتحمل أول تلاتين اربعين صفحة"، فهم على جمالهم الأدبي وتدفقهم السردي الرائع، يحملون من الفظائع والمواقف المؤلمة لمجموعة أسرى مصريين وقعوا في يد العدو الإسرائيلي، ما يرهق القارىء نفسياً..
"كانوا يريدون منا أن ندلي في هذه النماذج بأسمائنا وأسماء وحداتنا العسكرية أو أرقامها. وعنوان منزل كل منا. استجبنا مع تغيير بسيط في أرقام الوحدات العسكرية. وتغيير آخر في المهن العسكرية. مر الوقت ولم يكتشوف مدفعياً واحدا أو رجل مدرعات واحدا.... تملكهم الغضب وأخذوا يتكلمون كثيراً فيما بينهم بالعبرية. رجانا أحدهم بالعربية أن ندلي بالبيانات الصحيحة... عادوا لعملهم فلم يوفقوا لجديد. لم يملك ضابطهم - نفسه - فصاح: كلكم طباخون.. كلكم مراسلة وجناينية.. وين جيش ناصر..."
فاصبر وواصل القراءة.. حتى تعبر معهم مرحلة العذاب، وتبدأ في التعرف على ملامح معسكر الأسرى وتستطعم معهم وحشة وغربة وقبح المكان، وتتألم جسديا ونفسيا كما يتألمون.. ثم تبدأ في التأقلم مع الواقع، والتفاعل معه، ليس من باب الإستسلام، ولكن من باب قدرة الإنسان العجيبة على الحياة رغم قسوة الظروف.. تلك الحياة التي من الممكن أن يكتشف معناها الحقيقي بين مجموعة من المهزومين عسكريا، من الأسرى الذين ينتظرون الموت بين لحظة وأخرى..
"تسلل المساء وبدا الاسرائيليون في حيرة من أمرهم. فاجأناهم بقذائف الحجارة. جرى الحراس مذعورين. اغلق الطريق تماما بين معسكرنا ومعسكر 6 المواجه لنا. تجمعوا في بداية الطريق ونهايته. سلطوا الكشافات علينا. وجهنا القذائف الحجرية فحطمناها. جُرح أحدهم فحملوه بسرعة على نقالة. جرب قائدهم الدخول إلينا في ثلة من الحراس لتهدئتنا. سرعان ما واجهناهم بالحجارة. عادوا بسرعة. أصدر القائد أمره إطلاق الرشاشات. انبطحنا أرضا داخل العنابر والرصاص المنهمر كالمطر يتراشق حولنا..."
لن أتطرق لبشاعة المعاملة الإسرائيلية للأسرى، سواء من المصريين أو الفلسطينيين أو غيرهم، كما أن مشاعر العسكري أو المواطن المصري بعد سبعة وستين وتمسكه بالإيمان ببلده لأمر غني عن الوصف.. لكنني مع تلك الرواية أتوقف عند الإنسان.. عند مجموعة من البشر، بصرف النظر عن جنسيتهم او ديانتهم او انتماءاتهم، يتعرضون لظروف مثل ظروف الأسر.. يمرون بمحاذاة الموت كل يوم ويتبدى لهم كلما راقبوا خط الحصار الأبيض، ورغم كل ما حدث فإن حياة ما تولد، ومجتمعا ما ينشأ.. فتسمع الضحكات في جنبات الأسر، وتشاهد المقالب تصنع، وتشاركهم الضحك على الجنود الإسرائيلين، وتتحمس معهم في مظاهرة يندفعون فيها غضبا لأسير يسقط قتيلا بلا داعي، وتلعب معهم في دوري كرة القدم وتكتب معهم في مجلات الحائط وتتبع الأخبار وتستمتع بالمسرحيات وليالي السمر، ويعلو صوتك بالغناء وتستسلم للبرد وترقص تحت الشمس وتبكي من الانتظار وتتمنى العودة.. بل وتخطط للهروب..
"جرينا جميعاً، ولم يزل أثر النوم في أجفاننا. رأينا معسكر المدنيين في حالة نشاط غير عادي. ألقوا إلينا ببطاطينهم عبر الأسلاك. وببقايا الهدايا التي معهم. أوقفوهم في صفوف أمام البوابة، تمهيداً للرحيل..."
لتقرأ الرواية إذن كأسير على استعداد أن يتعلم هجائية الحياة من جديد..
4 تعليقات: